سيد محمد طنطاوي
7
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
[ المجلد الرابع عشر ] سورة الذاريات بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم مقدمة وتمهيد 1 - سورة الذَّارِياتِ من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها ستون آية . وكان نزولها بعد سورة « الأحقاف » . 2 - وقد افتتحت هذه السورة بقسم من اللَّه - تعالى - ، ببعض مخلوقاته ، على أن البعث حق ، وعلى أن الجزاء حق . قال - تعالى - : والذَّارِياتِ ذَرْواً . فَالْحامِلاتِ وِقْراً . فَالْجارِياتِ يُسْراً . فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً . إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ . وإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ . 3 - ثم بينت السورة الكريمة بعد ذلك ، ما أعده - سبحانه - لعباده المتقين ، فقال - تعالى - : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وعُيُونٍ . آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ ، إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ . كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ . وبِالأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . وفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ والْمَحْرُومِ . 4 - ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك طرفا من قصة إبراهيم ولوط وهود وصالح وموسى ونوح - عليهم السلام - مع أقوامهم ، ليكون في هذا البيان ما يدعو كل عاقل إلى الاتعاظ والاعتبار ، بحسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار . 5 - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان ما يدل على كمال قدرته ، وعلى سعة رحمته ، ودعا الناس جميعا إلى إخلاص العبادة والطاعة له ، لأنه - سبحانه - ما خلقهم إلا لعبادته . قال - تعالى - : وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّه هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ . فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ . فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ . 6 - هذا ، والمتدبر في هذه السورة الكريمة ، يراها - كغيرها من السور المكية - قد ركزت حديثها على إقامة الأدلة على أن العبادة لا تكون إلا للَّه الواحد القهار ، وعلى أن